الثقافة للمعلومات

يفهمهم أحد )
الروائي د/ مهند السماك 
كثيراً ما قرأت في منصات التدوين مقالات تهجو الأشخاص – غير المثقفين – و تتهمهم بالجهل و أنهم سبب تأخّر الأمم, بل كثيراً ما قرأت مقالات لمثقفين يهجون مثقفين آخرين لضعف مستواهم الثقافي - على حد قولهم - . 
و حقيقة لقد كانت لدي مشكلة دائما مع كلمة (المثقف) , فعلى أي أساس يتم إعتبار الفرد مثقفاً ؟ هل على أساس مستواه التعليمي ؟ أم عدد الكتب التي قرأها ؟ أم عدد الكتب التي كتبها ؟ و ما هي الجهة التي تمنح ذلك اللقب ؟!
لكن مشكلتي الأكبر مع هذا النوع من المثقفين هي أنهم يصنعون لأنفسهم عالمهم الخاص الذي لا يدخله الغوغاء من العوام الجهلة , عالماً طبقيّاً يدخله المثقف هاوٍ صغير ثم يبدأ في التدرّج شيئاً فشيئاً من كاتب نشيط إلى مفكرٍ كبيرٍ إلى محدّث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فيبدأ في التفذلك و التشكيك في كل شيء و كأنه جبرتي هذا العصر الذي يعيد كتابة التاريخ.

حسناً فلأتوقف عند هذا الحد لأنني لو استرسلت في نقد هؤلاء – المثقفين – فلن تكفيني سلسلة مقالات . و لعلك أيها القارئ الكريم تستفسر عن سبب ذلك النقد الشديد . السبب ببساطة هو أن هذا النوع من المثقفين – المتفذلكين – تسببوا في نفور الناس من القراءة بكتاباتهم المتفلسفة و أسلوبهم المعقّد , و هو ما أفسح المجال أمام الكتابات الركيكة التي غزت الأسواق الفترة الماضية فصارت المشكلة مشكلتين : عزوف عن القراءة من جهة و إنتشار للكتابات الواهية من جهة أخرى . و لعلك أيها القارئ قد عاينت هذه المشكلة بنفسك عند مرورك على المكتبات فوجدت نفسك محاصراً بين كتب من نوعية (الإنبعاث الثقافي في زمن القوافي) و كتب أخرى من نوعية (الواد ده حلو سابق سنّه ) .
لذلك فمنذ اللحظة التي قررت فيها أن انشر كتاباتي وقد أخذت على نفسي عهدين , الأول : أن تكون كتاباتي مختصرة و بسيطة قدر الإمكان مع ذكر مصادر معلوماتي . لذلك فإني أحتفظ بنسختين لكتاباتي إحداها طويلة عشوائية مليئة بالمعلومات أحتفظ بها لنفسي , و أخرى منقّحة مختصرة أقوم بنشرها .
و للأسف فإني كثيراً ما أجد من يقولون في نهاية مقالاتهم ( أنا أكتب لنفسي لا للناس , فأنا حر في ما أكتب ) و كأنه يقول للقارئ ( إذا لما يعجبك مقالي فاصمت , فأنت لا تهمني ) . و حقيقة فإن عندي مشكلة كبيرة مع هذا الأمر .
فطالما أنك تكتب لنفسك فلماذا تنشر كتاباتك !
مجرد قيامك بنشر أعمالك أمام االناس – سواء مقال أو رسم أو أي شيء – فهذا معناه أنك تهتم بالفعل برأي الناس و أنه يجب عليك أن تسمع آراءهم و إلا فمن الأفضل أن تحتفظ بها لنفسك .

أما العهد الثاني : فهو الإطلاع على مقالات الآخرين و إبداء رأيي فيها سواء بتأييد رأي الكاتب أو نقده مع تنبيهه لأي أخطاء لغوية أو أي إقتراحات أراها , لأن الكاتب إن لم يجد تشجيعاً فلن يستمر في الكتابة و للأسف لقد تكرّر هذا الأمر كثيراً سواء هنا – في مقال كلاود – أو في اماكن أخرى , أن يعلن كاتب أن هذا هو مقاله الأخير و رغم أنه لا يصرّح أنه توقّف بسبب عدم تلقيه تشجيعاً إلا أنه هذا أمر يُفهم من سياق كلامه و مرارة كلماته .
و إني لأحزن عندما أجد الكثير من المقالات دون تفاعل , إنني هنا لا أتحدّث عن عدد الإعجابات – فالحاصل على أعلى عدد من الإعجابات لن يحصل على مكافأة مالية - , لكنني أتحدّث عن التفاعل بمنظور أشمل , أن تتفاعل مع الكاتب , تناقشه فيما كتب , تستوضح منه عما استعصى عليك , تشعره أن مجهوده في المقال لم يذهب سدى , تعطيه دفعةً إيجابية كي يستمر في الكتابة . إن أغلب كتّاب المنصات الإلكترونية يكتبون ليس بحثاً عن الشهرة أو المال , بل تنفيساً عما بداخلهم حتى لا يختنقوا كمن يمارس الرياضات العنيفة كي يخرج طاقته .

و هذا هو الهدف الرئيسي لمقالي , هو دعوة أن نتبسّط في كتاباتنا , أن نذكر مصادر معلوماتنا إيماناً بحق القارئ في المعرفة , أن نستخدم الأساليب المشوّقة في كتاباتنا مثل الصور و المقاطع المسموعة و المرئية , ألا نحقّر من لا يقرأون بل نحاول أن نجذبهم للقراءة بأساليب مبتكرة لا أن نبني بيننا و بينهم جداراً عازلاً , أن نحوّل الكتابة من مجرد كلمات إلى وسيلة لدعم بعضنا البعض , بالتفاعل , بالتعليقات الإيجابية سواء المؤيدة أو المعارضة لرأي الكاتب , بالإقتراحات و النصائح .
أن نأخذ على بعضنا البعض ( عهد الكتابة ) . 

  • 30



تعليقات